حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

48

التمييز

منافع العقل اجتناب الذنوب ، وقد يبلغ من صحة العقل أن يتعرف حقائق الأمور ، ولا يبلغ من قوته أن يمنع الهوى من شهوته ، فإذا كان العقل بتلك المنزلة ألفي صاحبه بصيرا بالرشد غير قادر عليه وعارفا بالغيّ غير ممتنع منه . وقد يكون من العقل ما يجمع مع المعرفة بالأمور الامتناع من الهوى وعلّة ذلك أمران ؛ أحدهما : قوة العقل والآخر : ضعف الهوى ، فإن غلب طبيعة العقل في القوّة طبيعة الهوى لم يقدر الهوى على غلبة العقل / 6 ب / إلّا بما يتصل به من الشهوات ولا العقل على أن يغلب الهوى إلّا بما يتصل به من فائدة العقل المتعلم . ولمّا كنّا على حال لم يكمل فيها عقولنا كما لا نستغني به ، ولم تضعف أهواؤنا ضعفا نزهد معه في الشهوات لم يكن لنا بدّ إلّا على المواظبة « 1 » على التعلّم لنزيد في العقل المعين على الهوى . استمد لعلمك من علم العلماء ، ولحلمك من حلم الحلماء ، ولعقلك من عقل العقلاء فإنّ العقل الفرد لا يقوى على أمر العامة ولا يكتفي به في أمر الخاصة ، وقال بعض الحكماء : العقل غريزة يزينها التجارب وقوّة يتأتّى بها درك المعقولات ، وهو ينقسم إلى قسمين ؛ عقل أصليّ يناط به الأحكام ويجري القلم على صاحبه ، وعقل يستفيده المرء تحصل زيادته بكثرة التجارب والوقائع فإذا اجتمعا قوّى كل منهما صاحبه بقوّته ، وعقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة . ومن عرف التجارب طابت « 2 » له المشارب ثمّ انّ أيدي العقول تمسك أعنّة الأنفس ، شعر « 3 » ، ( الهزج ) رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع

--> ( 1 ) جاءت في بقية النسخ : المواضبة . ( 2 ) جاءت في داماد إبراهيم 945 : ( طابة ) . ( 3 ) الأبيات منسوبة لعلي بن أبي طالب . أنظر : نهج البلاغة 19 / 253 ؛ أدب الدين والدنيا ص 15 ؛ غرر الخصائص ، ص 83 ؛ روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 18 ؛ الشهاب الخفاجي 2 / 2 - 3 ؛ وفي الذريعة ص 94 ؛ إحياء علوم الدين 1 / 76 ، 3 / 14 ؛ نهاية الأرب 3 / 234 .